languageFrançais

رؤوف بن عمر: 'أنا ياسر تونسي.. والإبداع خذا منّي كلّ شيء'

حلّ الممثل التونسي القدير رؤوف بن عمر ضيفا على برنامج 'Culture+' في حوار بدا أقرب إلى رحلة ذاكرة طويلة، استعاد فيها محطّات من مسيرته الممتدة على أكثر من نصف قرن بين المسرح والسينما والتلفزيون، وتأمل من خلالها واقع الفن في تونس اليوم، بين ما تحقق وما يزال ينتظر الكثير.

ومنذ البداية، كان واضحا أن رؤوف بن عمر مازال يحمل الشغف ذاته الذي رافقه منذ خطواته الأولى على الخشبة. رجل عاش عمرا كاملا داخل الفن، لكنه ظلّ وفيّا لقدر كبير من البساطة والتواضع، وكأن الزمن لم ينجح في إبعاده عن جوهر البدايات. يرجع إلى الوراء بخفة وصدق، متحدثا عن حلم قديم لم يكن له علاقة بالتمثيل أصلا. كان يرى نفسه أستاذا للغة الإنقليزية، قبل أن تقوده الصدفة إلى المسرح، حيث اكتشف أن ما بدا اختيارا عابرا كان في الحقيقة بداية مسار كامل لا رجعة فيه. فمن المعهد الصادقي بدأت البذرة الأولى، ثم جاءت لندن لتمنحه أفقًا أوسع وتجربة شكلت وعيه الفني في أحد أهم فضاءات المسرح العالمي.

لكن اللحظة التي يعتبرها مفصلية في حياته كانت سنة 1975، حين التقى بالمخرج الإيطالي الكبير روبرتو روسيليني أثناء تصوير فيلم "المسيح". هناك، أسند إليه دور "يهوذا الإسخريوطي"، وهو دور لم يكن مجرد مشاركة في عمل عالمي، بل بوابة فتحت أمامه باب السينما الدولية، قبل أن يختار العودة إلى تونس، مقتنعا بأن بناء تجربة فنية داخل بلده لا يقل قيمة عن أي نجاح خارجي.

ورغم تنقله بين السينما والتلفزيون، ظلّ المسرح بالنسبة إليه هو الأصل والمرجع، يقولها بوضوح: "المسرح ما فمّاش ما أهم منه". لكنه في الوقت نفسه لا يخفي قلقه على واقع الكتابة المسرحية اليوم، معتبرا أن تونس في حاجة إلى كتّاب كبار يعيدون للخشبة قوتها وتجددها.

وفي حديثه عن المهنة، كان حاسما إلى درجة لافتة: "الموهبة هي الشرط الأول والأخير. فبدونها، لا معنى لأي تكوين أو شهادة، ولا يمكن لأي شخص أن يصبح ممثلًا مهما كانت الظروف". وهو لا يفصل هذا الرأي عن نقده لواقع بعض خريجي المعاهد الفنية الذين لم تتح لهم فرص حقيقية للدخول إلى الميدان.

ومع ذلك، لا يغلب عليه التشاؤم على العكس، تحدث رؤوف بن عمر عن جيل جديد من الممثلين الشباب يمنحه قدرا من الطمأنينة، كما يستحضر جيل ما بعد الاستقلال بوصفه جيلا استثنائيا أسس لملامح الدولة الحديثة وترك بصمته في الثقافة والفن. لكن أكثر ما يلخّص شخصيته يبقى تعلقه العميق بتونس، حين يقول ببساطة: "أنا ياسر تونسي.. تونس عندي أنا كل شيء في كل حالاتها". عبارة تختصر علاقة عمرها عقود بين فنان وبلده، لم تنجح فيها المسافات ولا التجارب العالمية في كسر هذا الارتباط.

ولا يخفي رؤوف بن عمر حجم التضحيات التي رافقت مسيرته. فقد اضطر في فترات مختلفة إلى العمل في مجالات موازية، من بينها الترجمة، لأن التمثيل وحده لم يكن كافيًا للعيش. ومع ذلك، لا يحمل أي نبرة ندم، بل تحدث عن تجربة أخذت منه الكثير لكنه منحها كل شيء: "الإبداع خذا مني كل شيء.. طاقتي الكل مشات للإبداع". ثم يضيف بثقة: "فخور بمسيرتي وماني نادم على حتى شيء".

وفي النهاية، لخّص رؤوف بن عمر فلسفته في الحياة والفن بكلمة واحدة: التواضع. فهو، كما يرى، سرّ الاستمرارية الحقيقية في عالم يتغير بسرعة، حيث لا تصمد الأسماء وحدها، بل الأشخاص الذين يظلون قريبين من أنفسهم ومن الناس. "التواضع هو سرّ الاستمرارية.. أحنا شكون قدّام نجوم العالم الكبار؟".

جملة تختتم حكاية فنان اختار أن يعيش للفن لا حوله، وأن يظل وفيًا للمسرح ولتونس، منذ أول خطوة على الخشبة وحتى هذا الحوار الذي بدا كأنه مرآة طويلة لزمن كامل من الإبداع.

 

الواثق بالله شاكير 
 

share